محمد سعيد رمضان البوطي
191
فقه السيرة ( البوطي )
وأصحابه ، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم فلما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصبح يوم الأحد ، أمر بلالا أن ينادي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمركم بطلب العدو ، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس . . ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل ، فدفعه إلى علي رضي اللّه عنه ، وخرج القوم وهم ما بين مجروح وموهون ومشجوج حتى عسكروا بحمراء الأسد - مكان من المدينة على بعد عشرة أميال - فأوقد المسلمون هناك نيرانا عظيمة ، حتى ترى من المكان البعيد وتوهم كثرة أصحابها . ( ) ومرّ بهم معبد بن معبد الخزاعي - وكان يومئذ من مشركي خزاعة - ثم تجاوزهم فمرّ على المشركين ولهم زجل ومرح وزهوّ بالنصر الذي لاقوه في أحد ، وهم يأتمرون بالرجوع إلى المدينة للقضاء على المسلمين ، وصفوان بن أمية ينهاهم . فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟ فقال : ويحكم ! إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرّقا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ؟ . . فأدخل اللّه بذلك رعبا عظيما في قلوب المشركين ، وهبّوا مسرعين عائدين إلى مكة ، وأقام النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حمراء الأسد : الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم خرج إلى المدينة « 1 » . العبر والعظات : تنطوي غزوة أحد على دروس بالغة الأهمية للمسلمين في كل عصر ، ولكأن الحكمة من وقوعها على الشكل الذي بيناه ، أن يتكون منها درس تطبيقي عملي ، يعلّم المسلمين كيفية البلوغ إلى النصر في معاركهم مع العدو ، وكيفية التحرز من مزالق الفشل والهزيمة ، فلنقف على هذه الدروس العظيمة ولنتأمل فيها ، الواحدة إثر الأخرى . أولا : يتجلى هنا أيضا المبدأ الذي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأخذ به نفسه ، وهو التزام التشاور مع أصحابه في كل أمر يحتمل المشاورة والبحث ، ولكنا نقف هنا على فارق واحد لم نجده في المشاورة التي تمّت قبيل غزوة بدر . فقد لا حظنا أنه عليه الصلاة والسلام لم يشأ أن يعود عن موافقته لأصحابه الذين اقترحوا الخروج للقاء العدو خارج المدينة ، بعد أن لبس درعه وأخذ أهبته للقتال ، على الرغم من أنهم ندموا وعادوا عن رأيهم ورجوه البقاء إذا كان يرى ذلك ، وربما كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يميل - أو يظهر الميل - عند التشاور إلى البقاء في المدينة .
--> ( 1 ) طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري .